محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
773
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
الأسرار قال الحافظون لحدود اللّه : إنّ الصيام لمّا كان صونا عن الشهوات البدنية طعاما وشرابا ووقاعا ، وجالبا للذّات النفسية والعقلية تفكّرا في الجبروت وسياحة في الملكوت أغلقت أبواب الشهوات البدنية كلّها ليلا ونهارا إلّا ساعة الإفطار ( 317 ب ) في أوّل الليل وآخر النهار ، ليكون الصون أبلغ ، وتضمير النفس لأجل السباق في الرهان أكمل ؛ ولمّا علم اللّه تعالى أنّهم يختانون أنفسهم فلا يطيقون جرانها ولا يمسكون عنانها ، ترحّم على بعضهم بإحلال الرفث إلى نسائهم ، وهم ضعفي النفوس أقوياء الأبدان ، وحرّم عليهم الوصال ، وأباح الوصال لمثل النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - إذ قال : « إنّي لست كأحدكم إنّي أبيت عند ربّي يطعمني ويسقيني » 67 ويا عجبا من طرفي نقيض ! خيانة النفس بارتكاب المنهيّ ؛ إذ لم يملك عنانها ، ومسابقة النبوّة بالوصال ، وأنّى يستطيع رهانها وهو - صلّى اللّه عليه وآله - يقول : « بودّي لو مدّ لي الشهر مدّا حتّى يدع المتعمّقون تعمّقهم . » 68 وقال أناس خنت ليلى وعهدها * فرمت سواها واطّرحت التصابيا فقلت دعوني واسألوا عن صبابتي * ووجدي وأسحاري بليلى القوافيا وزوروا إذا ما أظلم الليل مضجعي * تروا عجبا من شأن ليلى وشانيا والإنسان يجب أن يعرف قدر نفسه ولا يتعدّى طورها ، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ قد حدّها لكم فَلا تَقْرَبُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ إفراطا وتفريطا وغلوّا وتقصيرا فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وكذاك من رام التعدّي عن حدّه والترقّي إلى درجة فوق درجته انحطّ عن درجته التي كان فيها إلى ما دون درجته ، ولكلّ إنسان حدّ كلّف به وقدرة قد قدّرت له . وسرّ آخر : في الحدود التي هي أحكام اللّه ، أنّ الحركات إن كانت كلّها متساوية في الحظر أو الإباحة لكان يلزم القتل أو الموت كما ذكرنا قبل ؛ فلزمها بالضرورة أن يكون بعضها محظورا وبعضها مباحا ، ولو كان يعرف المحظور كلّ عاقل بعقله ونظره لكان يلزم ما يلزم على الحكم الأوّل ؛ فيجب أن يكون التمييز بين المحظور والمباح إلى عاقل واحد واقف على الكلّ وهو النبيّ المبعوث بتمهيد الحدود بين المحظورات والمباحات : يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وهو